اعتمدوا التجربة الكوردية لإنقاذ العراق

حقق السياسيون الكورد، وبصورة خاصة قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، انتصارات عديدة وكبيرة في مجالات السياسة والإعمار والاقتصاد والحياة الاجتماعية. إذ أثمرت ثورة الزعيم ملا مصطفى بارزاني وابنائه ورفاقه عن نتائج تاريخية تجسدت بتحقيق حلم الكورد بإقامة إقليم كوردستان العراق شبه المستقل، وهو إقليم بمواصفات دولة حضارية متطورة على جميع المستويات، يصون كرامة الشعب الكوردي وجميع الأطياف القومية والدينية التي تعيش على أرض كوردستان بدون تمييز.

ومنذ بداية معركة العالم ضد فايروس كورونا، استنفرت قيادة الإقليم، وعلى مستوى زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني، مسعود البارزاني، ورئيس الإقليم، نيجيرفان البارزاني، ورئيس الحكومة، مسرور البارزاني، جهودهم لوضع الخطط الدفاعية، منطلقين من العقيدة العسكرية التي تقول إن أفضل طريقة في الهجوم هي الدفاع، خاصة مع عدو خفي وخطير لم تكتشف بعد الأسلحة المناسبة لقتله، وانصبت المعركة باتجاه صد هذا االعدو القاتل والحد من انتشاره في جميع مدن وأقضية وبلدات كوردستان.

وحتى الآن نستطيع القول بأن المعركة الدفاعية ضد تقدم فايروس كورونا في الإقليم قد حققت انتصارات مبهرة قياساً إلى بقية المحافظات العراقية، بل وإلى دول أوربية وآسيوية متطورة في مؤسساتها الصحية واقتصادها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن فايروس كورونا تسلل خلسة إلى مدن الإقليم من إيران ومن مناطق أخرى في العالم وبواسطة أشخاص لم يتحلوا بالمسؤولية عادوا لمدنهم في الإقليم دون أن يخضعوا للحجر الصحي الطوعي أو القسري.

حكومة إقليم كوردستان اتخذت منذ البداية إجراءات وقائية ودفاعية وهجومية وفق المعايير الصحية العالمية، بل زادت عليها إجراءات أكثر تشدداً فيما يتعلق بمنع التجول والاختلاط بالتجمعات العامة وإغلاق المقاهي والمجمعات التجارية والمطاعم وبقية الأماكن التي تسمح بأي تجمع، رافق هذه الإجراءات حرص الحكومة الكوردستانية على توفير المواد الغذائية والأدوية وباقي الاحتياجات الضرورية وسهولة الوصول إلى المخازن والأسواق والصيدليات في المحلات والمجمعات السكنية.

الأهم من كل هذا وذاك أن المسؤولين في الإقليم، بدءاً من أعلى الهرم في القيادات السياسية والحكومية، مروراً بالوزراء والمسؤولين في جبهة المعركة ضد فايروس كورونا، وأعني وزراء الصحة والداخلية والبيشمركة، وبقية الوزراء، اعتمدوا الشفافية والوضوح في تصريحاتهم للناس عن مجريات هذه المعركة وكشفوا للرأي العام عن المعلومات بكل وضوح وبلا أي إخفاء أو تستر على أية معلومة مهما كانت أهميتها أو بساطتها، قابل ذلك، تفهم حضاري عميق من قبل المواطنين لقرارات الحكومة خاصة فيما يتعلق بمنع التجول وحدوث التجمعات العامة مهما كانت الأسباب، حيث التزمت الغالبية العظمى من المواطنين والمقيمين بهذه القرارات، يضاف إلى ذلك التعامل الراقي الذي يبديه رجال الأمن وبكل مستوياتهم مع المواطنين في الشوارع.

كان على الحكومة الاتحادية وبقية المسؤولين في بقية مناطق العراق أن يتعلموا من التجربة الكوردية، ومن المسؤولين الكورد في جميع المجالات، السياسة وإعادة البناء والأعمار، الأهم من هذا بناء الثقة بينهم وبين مواطنيهم والشروع ببناء الإنسان وهو اهم قيم البناء في المجتمع، وفي الظروف الراهنة الصعبة للغاية فإن على المسؤولين ببغداد وفي جميع المحافظات العراقية استنساخ تجربة إقليم كوردستان في مواجهة انتشار فايروس كورونا بحزم والتعامل معه باعتباره عدواً فتاكاً وخطيراً، حفاظاً على حياة المواطنين.

لكن مشكلة السياسيين أو المتسيسين العراقيين هي تكبرهم  على الآخرين، وهو تكبر فارغ وساذج ولا ينم عن ذكاء، وأنهم لا يتعلمون من تجارب بقية الشعوب وقادتهم، والتجربة الكوردستانية هي الأكثر قرباً لهم، ولو كانوا قد فعلوا ذلك منذ وقت مبكر لكانت أوضاع العراق أفضل بكثير مما هي عليه اليوم حيث تعاني جميع مدن العراق وفي مقدمتها العاصمة بغداد من خراب البنى التحتية في الصحة والتعليم والخدمات، بسبب الفساد وعدم الاعتماد على الكفاءات العراقية وغياب “الولاء للوطن” كما صرح رئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان البارزاني، ولهذا نجد أن المسافة واسعة جداً بين المنجزات الحضارية في الإقليم وبقية مناطق العراق.

وبالرغم من كل الظروف الصعبة التي يعيشها العراق فإن الفرصة ما زالت مؤاتية للاعتماد على السياسيين الكورد في أخذ زمام الأمور ومنحهم الصلاحيات والمواقع التنفيذية المتقدمة للمشاركة بفاعلية في قيادة البلد إلى جانب الكفاءات الوطنية العراقية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تغرق سفينة البلد في الهاوية ويؤول واقع ومستقبل الشعب إلى الضياع التام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *